الزركشي

86

البرهان

تنبيه من بديع هذا النوع اختلاف الفاصلتين في موضعين والمحدث عنه واحد لنكتة لطيفة . وذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم : * ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار ) * ، قال في سورة النحل ، * ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ) * . قال القاضي ناصر الدين بن المنير في تفسيره الكبير : كأنه يقول : إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت آخذها وأنا معطيها ; فحصل لك عند أخذها وصفان : كونك ظلوما ، وكونك كفارا ، ولى عند إعطائها وصفان : وهما : أنى غفور رحيم ، أقابل ظلمك بغفراني وكفرك برحمتي ، فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ، ولا أجازي جفاءك إلا بالوفاء . انتهى . وهو حسن ، لكن بقي سؤال آخر ، وهو : ما الحكمة في تخصيص آية النحل بوصف المنعم ، وآية إبراهيم بوصف المنعم عليه ، والجواب أن سياق الآية في سورة إبراهيم ، في وصف الانسان وما جبل عليه ; فناسب ذكر ذلك عقيب أوصافه . وأما آية النحل فسيقت في وصف الله تعالى ، وإثبات ألوهيته ، وتحقيق صفاته ، فناسب ذكر وصفه سبحانه . فتأمل هذه التراكيب ، ما أرقاها أهل في درجة البلاغة ! ونظيره قوله تعالى في سورة الجاثية : * ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها